وهبة الزحيلي

280

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والأكبر ، أي الحدث والجنابة ، وهو منزل من اللّه تعالى ، فليس بسحر ولا كهانة ولا شعر ولا قول بشر ، بل هو الحق الذي لا مرية فيه ، وليس وراءه حق نافع . ويدل فحوى الآية على أنه لا يمس القرآن كافر ولا جنب ولا محدث ، روى مالك في موطئه وابن حبان في صحيحة : أن في الكتاب الذي كتبه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر . و روى أبو داود في المراسيل وأصحاب السنن من حديث الزهري قال : قرأت في صحيفة عبد أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ولا يمس القرآن إلا طاهر » وأسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم وعبد اللّه بن عمر وعثمان بن أبي العاص ، لكن في إسناد كل منهما نظر . وعدم مس المحدث للمصحف أمر يكاد يجمع عليه العلماء ، وأجاز بعض الفقهاء وهم المالكية مس المحدث له لضرورة التعلم والتعليم . لكن رجح العلماء أن المراد من الكتاب : الكتاب الذي بأيدي الملائكة ، على نحو ما هو مذكور في قوله تعالى : فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ، كِرامٍ بَرَرَةٍ [ عبس 80 / 13 - 16 ] لأن الآية سيقت تنزيها للقرآن عن أن تنزل به الشياطين ، ولأن السورة مكية ، وأغلب عناية القرآن المكي في أصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة ، وأما الأحكام الفرعية ففي القرآن المدني ، ولأن قوله مَكْنُونٍ معناه مصون مستور عن الأعين لا تناله أيدي البشر ، ولو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن وصفه بكونه مكنونا فائدة كبيرة . ثم وبخ اللّه تعالى المتهاونين بشأن القرآن ، فقال : أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ أي أبهذا القرآن الموصوف بالأوصاف الأربعة السابقة متهاونون ، تمالئون الكفار على الكفر ، وتركنوا إليهم ؟ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ أي وتجعلون شكر رزقكم من السماء وهو